مقالات مختارة

كتبهاMohamed Bedoui ، في 26 نوفمبر 2008 الساعة: 00:57 ص

 

قصائد سوف عبيد في لوحات عثمان الببّة

 

hpim00 

من اليمين إلى اليسار : محمد البدوي والرسام عثمان الببة والشاعر سوف عبيد  

 

“ألـوان على كلمات” : أشباه شخوص وأشباح أماكن

والجمع: إبداع متعدّد بالكلمات والألوان

 

                                               بقلم : محمّد البـدوي*

                                                

كثيرا ما تتشابه معارض الفنون التشكيلية ولا تكاد تخرج عن المألوف…لوحات معروضة نتأمّلها ونمعن النظر ..ونعجب ببعضها ونمجّد بعضها الآخر..وإن سمح اقتصاد البيت واقترن بالإعجاب فقد نقبض على لوحة ونستأثر بها ونتغنّّى بامتلاكها…

لكنّ معارض الرسام عثمان الببّة الأخيرة خرجت عن المألوف وخصوصا معرض “ألوان على كلمات سوف عبيد” فقد  خرجت جميعها عن المألوف، واستلهمت مادّتها من قصائد شعرية تأنّق الرسام في إبداعها.

لم تكن اللوحات نقلا لما في النصوص الشعرية .. بل كانت قراءة بعين رسّام أديب وشاعر في نفس الوقت .. واجتهد عثمان الببّة في اختيار فقرات دون غيرها ..وقديما قال العرب “يكفي من القلادة ما يحيط بالعنق” وقام بعرض النصّ الشعري مع نصّ الترجمة إلى الفرنسية ومقترنا بصورة من اللوحة في حجم مصغّر تكون دليلا للقارئ المتفرّج…ولا يستطيع المشاهد أن يمسك نفسه عن القراءة لأنّ المقاطع قصيرة…وربما يبحث في العلاقة بين النصّ واللوحة .. ولا يمكن أن يكون مروره عابرا حتّى وإن ضاق الوقت…ولم يكن الأمر غريبا حين تساءل أحدهم يوم الافتتاح إن كانت النصوص المكتوبة من وحي اللوحات أم العكس؟ وهذا من علامات نجاح الرسام في قراءتها خصوصا أنّه لم يتأثر بغير القصيدة، ولم تكن له معرفة بالشاعر من قبل أن يستقيم المعرض كاملا..فلم يتدخّل الشاعر في أيّة لوحة..بل فوجئ بها كلّها معلّقة على جدران نادي الطاهر الحدّاد بالعاصمة عشيّة السبت 16 فيفري 2008 ففاقت فرحته بهذه المفاجأة السارّة فرحة الجميع وإعجابهم بالمعرض الطريف.

إنّ معرض عثمان الببّة “ألوان على كلمات” ثلاثة في واحد بل أربعة في واحد:

1- الفضل الأول كان في اختيار القصائد والمقطوعات الشعرية من كمّ كبير من مجموعات الشاعر وإثباتها بجانب اللوحة.

2- الفضل الثاني قام على ترجمة الشعر والرسام أستاذ فرنسية متمرّس وشاعر فكانت العملية على درجة كبيرة من النجاح.

3- الفضل الثالث يتمثّل في هذه البدائع التي رسمتها ريشة عثمان الببّة فكانت لوحات شاهدة على صنعة وطول صبر دام عدّة سنوات ليستقيم عملا فنّيا أدبيا يمكن أن يسافر إلى أبعد من التخوم عن طريق الترجمة والريشة إضافة إلى شهرة الشاعر عربيّا…

4- أمّا رابع هذه الفضائل فهو كتاب أنيق اجتهد عثمان الببّة في صياغته وصرف عليه الكثير وأخرجه في بضع عشرات من النسخ جمع فيه اللوحات بعد أن قام بتصويرها رقميا، وأضاف إليها النصّ الشعري بالعربية ومقابله بالفرنسية . وهذا الكتاب سيجعل المعرض يسافر ويتنقل من يد إلى أخرى ومن بلد إلى آخر دون أن ننتقص طبعا من قيمة المعرض فهو الأصل في العملية الإبداعية المشتركة.

ولم يتردّد سوف عبيد في التصريح بأنّ هذا الكتاب المشترك بينه وبين عثمان الببّة سيكون كتابه القادم وسيتمّ طبعه في بضع آلاف من النسخ، إعجابا وتقديرا لهذا الجهد ..ولم أتردّد لحظة في قبول فكرة التقديم لهذا العمل القادم إيمانا بقيمته واعتزازا بصداقتي بعثمان وسوف وقد كنت همزة الوصل بين الرسام وقصائد الشاعر.

وبعد هذه التفاصيل هل يحقّ للمشتغل بالأدب أن يبدي رأيه في الفنون التشكيلية أو يتطفل على الألوان وهو الذي اعتاد قراءة الرسم بالكلمات…

لن أقول إنّ قصائد سوف عبيد تشرّع لي النظر والتعليق على هذه اللوحات نظرا لعلاقتي القديمة بها، وإنما اللوحات ذاتها تشدّني إليها كما شدّتني معارض أخرى ولوحات أخرى لعثمان والكثير من رسوماته ما زالت منقوشة في الذاكرة على مثال “المرأة الزهرة” و”منارة آخر الدنيا” و”كيف نرسم عصفورا” (من وحي قصيدة لجاك بريفير)

حاولت جاهدا أن أجد قصائد سوف في اللوحات فلم أجد إلاّ جوانب منها، أمّا الجوانب الأخرى فقد حملت بصمات عثمان الببّة وأسلوبه الذي ألفه منه متتبّعو معارضه..ألم نتعلّم على مقاعد الجامعة أنّ الأسلوب هو الإنسان…

إنّ “نخـلة” سوف عبيد جعلها عثمان تشترك مع النخل في شكلها، لكن أضاف إليها جمالا آخر يتدلّى مع جريدها ويتمايل أو يتلوّى مع باقي العناصر التي حفلت بها اللوحة تحت أنظار الشاعر الحاضر الغائب في أغلب اللوحات، فكان شبحا يمسك كتابا وينتحي زاوية ليقرأ المشهد الماثل أمامه، كأنّه توقيع خاص من الرسام. فهل جمال اللوحة في النخلة أم في التقابل الكبير بين زرقة السماء الصافية وبين حمرة الأرض وجفافها فجفّت معها الأشجار باستثناء النخلة ؟

أمّا لوحة “علاقـة” فقد رسمت ثلاثة لقاءات تدرّجت من الانفصال إلى الاتصال إلى الذوبان في واحد… وتتدرّج الطبيعة في المشاهد الثلاثة في ألوانها من الأسود إلى البنّي إلى الأحمر الفاقع مع تدرّج مماثل من الجفاف وتشقّق الأرض وتجرّد الأشجار إلى مشهد أكثر إشراقا أضاءته مصابيح المدينة وخفّفت قتامته صورة البدر في كبد السماء والمشهد الثالث على يمين اللوحة جنّة مزهرة تملؤها أنوار الشمس وتكبر معها قامة الإنسان فتملأ الوجود وتقترب من المشاهد…إنها الطبيعة البكر والفضاء الممتدّ فتلتقي الشمس بقوس قزح ولا يكون ذلك عادة إلاّ بعد الأمطار والغيث..إنّ اللقاء في هذه اللوحة يعيد الإنسان إلى الجنّة ولا يخرجه منها… جنّة الرسام صاغها بكلّ الألوان الجميلة فإذا بنا نقرأ تفاصيل جديدة ونفكّ أسرارها…مثلما نقرأ في النصّ الشعري “خلعا خرق الدنيا/ لبسا أوراق الجنّة/ كان آدم…وكانت حوّاء/ وأكلا من…/ التفّاحة”

ليس المجال مجال تفكيك اللوحات وتحليلها، فهناك من هم أقدر منّي على ذلك ولكن لا يمكن أن نمرّ مرور الكرام على لوحات ومقاطع شعرية تشدّنا برونقها وجمالها ودقّة رسمها، ويعلم الله كم أعطاها الرسام من وقته ونور البصر لإثبات كلّ الجزئيات والتفاصيل الدقيقة، فلا نجد فراغات بل لعلّ اللوحة الواحدة لوحات متعدّدة . فلوحة “أزرار “ مشهدان في لوحة واحدة: الغرفة وما تحتويه ثمّ ما تكشفه النافذة المفتوحة على مصراعيها من فضاء ممتدّ إلى أرحب الآفاق. وفي اللوحة تحضر المرأة والفضاء الشاعري ويغيب الرجل بعد أن” فتحت (المرأة) أزراره واحدا واحدا ثمّ… لبسته”

قد تختلف المواقف من اللوحات بحسب زوايا النظر وقراءة كلّ واحد، وبحسب الأدوات التي يكتسبها المشاهد .. وما زلت أذكر انشداد الأستاذ بنّور مشفر وهو الأستاذ بالمعهد العالي للفنون الجميلة إلى لوحة “الوردة” لما فيها من حرفية وصنعة وقدرة على التجريد.. ولو كان لي أن أختار ما فكّرت في “الوردة” بل في “شهرزاد” أو “علاقة” أو “الضفائر” أليست مذاهب العشق متعدّدة كما يقال…

إنّ هذه التجربة بين قصائد الشاعر سوف عبيد وريشة الرسام عثمان البّبة طريفة وثرية ، تشدّ إليها المتفرّج ولا أخفي تقديري الكبير للرسام الذي فتح نافذة على الشعر التونسي بعد أن رسم قصائد جاك بريفير وروني شار وأرجو أن تتناسل من هذه التجربة معارض أخرى لقصائد جديدة تساهم في إعادة قراءة جانب كبير من الشعر التونسي والتعريف به لجمهور أوسع من جمهور الأمسيات الشعرية. وفي انتظار ذلك نرجو لهذا المعرض “ألوان على كلمات” أن يحقق انتشارا في كامل جهات الجمهورية وخارج البلاد بدعم من الجهات المختصّة التي ترعي الإبداع التونسي فكيف والأمر يجمع إبداعين في عمل واحد.

                                     محمّد البـدوي

*    أستاذ بكلّية الآداب بسوسة (تونس)

 

 

 

 

 قراءة في قصيدة:

رؤى الحسن الـوزّان لمحجوب العياري

                                             بقلم : محمد البـدوي 

تمهــيــد

يسعى الكثير من النقّاد و المنشغلين بتحليل الظاهرة الأدبية إلى تقنين العملية الإبداعية وضبط قوانين تخضع لها النصوص بشكل يحوّل الأدب إلى ما يشبه العلم كما في بعض فروع العلوم الإنسانية . لكنّ تذوّق الناس النصوص لم يكن في أية مرحلة محلّ إجماع فكان الخلاف قديما حول أشعر بيت و أحسن قصيدة و أجود شاعر، وكان الخلاف حول المعلقات منذ القديم،  ثمّ ترجمت هذا الخلاف عديد الأحكام النقدية و الكتب المؤلفة عبر القرون ، لذا نجد البعض يحاول ربط الحكم على نصّ ببعض دوافع الخطاب  الأدبي عامة و القول الشعري خاصّة ، لذا ورد في بعض الأقوال أنّ أشعر الشعراء هم امرؤ القيس إذا ركب و النابغة إذا رهب و زهير إذا رغب و الأعشى إذا شرب .

و من هذا المنطلق قد لا تجوز المقارنة بين النصوص مع وجود الفارق ، و يساهم القارئ في العملية النقدية انطلاقا من رغباته ونظرته للأدب و للحياة ، فتلعب المضامين دورها في القدرة على التأثير على القارئ مثلما قد يلعب الإنشاد دوره في شدّ الانتباه و انتزاع الإعجاب ولا يمكن لهذا الأمر أن ينسينا دور الصياغة و قدرة الشاعر على تطويع اللغة حتّى ينام ملء جفونه عن شواردها .

وما من شكّ في أنّ نفس المتقبّل تتسع لأكثر من قصيدة قديمة أو حديثة ، و لا معنى أن يقنع بواحدة بدعوى أنها تشغله عن غيرها ، فالذائقة تقبل التعدّد و لا يمكن أن تبقى حبيسة نصّ واحد.

و يمكن  للقارئ أن يكتفي بتسليط الضوء على ظاهرة مشتركة في مجموع القصائد أو على واحدة من النصوص  دون الحرص على تغليبها على ما سواها و إن كانت قصائد هذه المدوّنة متفاوتة في القيمة. والأكيد أنّ القصائد الجيّدة تتكامل في الغالب  و تتنافس في كسب الإعجاب من غير أن تحكمها الرغبة في إقصاء الغير. و لعلّ التاريخ وحده كاف بغربلة النصوص و إثبات ما استطاع أن يبقى و يقاوم عاديات الزمن .

ونظرا لأسباب ظرفية سنركّز على قصيدة واحدة هي رؤى الحسن الوزان للشاعر محجوب العياري. وقد يعود الإعجاب  إلى إسقاط يسلّطه القارئ على النصّ فيتماهى معه.

 ولكن، لم يكن  اختيار رؤى الحسن الوزّان عفويا و لا اعتباطيا بل فرضته  خصائص النصّ و مميّزاته العديدة التي يضيق المجال و الوقت عن تعدادها .

قراءة في رؤى الحسن الوزّان

 إنّ نصّا كهذا يصوّر ملحمة رجل ضرب في الأرض عميقا و عاش تجارب عدّة يطمح القارئ إلى أن يشاركه فيها استطاع محجوب العياري أن يفعل في الشعر ما فعله أمين معلوف في روايته المشهورة ليون الإفريقي و يجاوز الشخصية التاريخية ليجعل منها رمزا فنيا يحمل دلالات عديدة تخاطب وجدان المرء و عقله . واستطاع الشاعر أن يوظّف مختلف الأساليب الفنية و السردية و طاقات الكلام التعبيرية لصياغة هذه الملحمة التي تتجاوز الوزّان إلى الشاعر و منه إلى القارئ المتماهي معها. و حين ننظر في بعض خصائص هذا النصّ الشعري ، ندرك أنّ محجوب العياري بنى النصّ بناء دقيقا واشتغل عليه بطريقة تجعل القارئ يحتاج إلى أكثر من قراءة للاستمتاع بالنصّ و لتفكيك رموزه وخصائصه .

وتتكوّن القصيدة من :

أ ) تمهيد يحمل إمضاء أمين معلوف صاحب الفضل في تسليط الضوء حديثا على شخصية الحسن الوزّان من خلال روايته ليون الإفريقي

ب ) سبعة مقاطع تختلف من حيث الطول فجاءت بحساب الأسطر الشعرية كما يلي :

* المقطع الأول : 25 سطرا

* المقطع الثاني : 8 أسطر

* المقطع الثالث : 16 سطرا

*المقطع الرابع : 8 أسطر

*المقطع الخامس: 11 سطرا 

المقطع السادس :8 أسطر

*المقطع السابع: 24 سطرا

و المقاطع في هذا التوزيع توفّر إيقاعا منتظما سداه خبب جعله الشاعر من دون كلّ إيقاعات الخليل ترجمانا لهذه الرحلات المتجدّدة في أرض الله و في بيداء الكلام .

و هذه المقاطع  جعلها الشاعر بعدد أيّام الأسبوع يمسح بذلك امتدادا في الزمان ليس له حدود . و ليس غريبا أن يحضر الزمان بكثافة مفتتحا كلّ المقاطع في حركة دائرية تبدأ بالآن و تنتهي به ..و بين الآن الأولى و الثانية امتداد في الأيام و الليالي : (ليلا…و سيمرّ الليل وئيدا × 3 …لسنين و الوزّان ….إلخ)

و يتأكد انغلاق الدائرة باعتماد الشاعر نفس المرجع اللغوي مع تنويع يترجم رغبة في رحلة جديدة في مكان جديد.

* بداية المقطع الأول: الآن تسلمنا الهجرات إلى أرض أخرى

* بداية المقطع السابع : الآن يسلمني شطّّ إلى شواطئ لا شطآن لها.

و إذا كانت هذه المقاطع بعدد الأيام فإن هاجس العدّ و التأريخ يسكن الشاعر منذ المقطع الأول : في اليوم الأول….في اليوم الثاني ….ثالث يوم….

و هل القصيدة كلّها إلاّ تأريخ لهذه الرحلة الوجودية في حياة الوزان و من خلاله في حياة كلّ إنسان قلق كأن الريح تحته لا يسعه زمان أو مكان. أو لم يأت في التمهيد للقصيدة قول أمين معلوف : عندما يلوح لك ضيق عقول الناس ، فقل لنفسك أرض الله واسعة ، و رحبة يداه و قلبه . و لا تتردّد قطّ في الابتعاد إلى ما وراء جميع البحار ، إلى ما وراء جميع التخوم و الأوطان و المعتقدات…

وانطلاقا من هذه الرؤية كان لحضور المكان أهمية كبرى  في القصيدة مرتبطا بهذا الضرب المتواصل في الأرض . أ فلم يكن الحسن الوزّان رحّالة يشهد عليه كتابه وصف إفريقيا .

و لم يخل مقطع واحد في هذه الرؤى من توظيف المكان فجاءت الفضاءات متنوعة تحمل دلالات عديدة :

1) فضاءات السفر : أرض أخرى…البحر…الشطآن…مدائن الأرض جميعا….شواطئ لا شطآن لها …تخوم أخرى…أرض الله …كل الأوطان…

2) فضاءات الاحتفال بالحياة :

= في بعدها الروحي : مساجدها …كنائسها …مقامات الخلّص فيها …

= في مباهج الحياة : خمّارات مدينتنا…الحان…عتبات الحان…. الأسواق …محلّ الفضّة …سوق الشواشين….محلّ الورد….

3) فضاءات موضوعية : غرناطة ، طمبوكتو، فاس، القاهرة، روما،  

و هذه الأماكن الأخيرة جمعت بين النموذجين الأول و الثاني فهي سفر و انتقال في المكان و لكنّها ارتبطت بالذكريات و بالحياة في تنوعها و تعدّد مباهجها.

و يعزف محجوب العياري في هذا الباب لحنا قريبا من النفوس لائطا بالقلوب على حدّ عبارة ابن قتيبة لما جبلت عليه النفوس من حبّ السفر و التوق إلى معانقة المجهول و امتلاك عواصم الدنيا و نسج الذكريات فيها .

واعتمد الشاعر في نصّه هذا أساليب من شأنها أن تورّط القارئ في هذه الرؤى فكانت الضمائر متنوعة لم تقف عند ضمير الغائب المفرد يصف الوزّان في رحلاته و رؤاه بل امتطى محجوب العيارى منذ البداية  صهوة  ضمير المتكلّم الجمع نحن مقحما نفسه والقارئ في هذه التجربة :

الآن تسلمنا الهجرات إلى أرض أخرى

سنلوذ ببيت قرب البحر كعادتنا…

و حتّى إن كان الضمير يعبّر عن الوزّان فهو مفرد/جمع يتجاوز ذاته ليعبّر عن ذوات الآخرين و ليس غريبا أن يقف الشاعر عند لقب الوزّان و لا يذكر اسمه و لو مرّة واحدة في متن القصيدة إذا استثنينا العنوان . و الوزّان صيغة مبالغة من وزن أو ليس محجوب العياري وزّانا يزن الكلام و يصوغه بمقدار. و لعلّه لهذا وظّف هذا الاسم لما يحمله من طاقات إيحائية و موسيقية فكان أن تواتر 8 مرّات في المقاطع 2 و 3 و 4 و 5 و غاب في المقطعين الأول و السابع لاستحالة ذلك لأن الشاعر اعتمد ضمير المتكلم (الجمع والمفرد)

وحين ننظر في الضمائر التي تحدّثت عن الوزان في هذه القصيدة  نجدها متنوعة:

المقطع 1: ضمير المتكلّم الجمع نحن

المقطع 2: ضمير الغائب المفرد هو

المقطع 3 :   =       =        =

المقطع 4 :   =      =        =

المقطع 5 :   =      =       =     + ضمير المخاطب أنت

المقطع 6 :ضمير المتكلم الجمع نحن (الشاعر الراوي + الوزان + آخرون)

المقطع 7 : ضمير المتكلّم المفرد أنا  + ضمير المخاطب أنت

و ضمائر المتكلّم تعبّر عن المشاركة الجماعية في الحدث و فيها من الحميمية ما يمكّن الشاعر من أن يتقمّص ذات الوزّان و يعبّر عن الأشياء الخاصّة التي لا تظهر للعيان:

في رؤياي الليلة جاءت أمّي

قدمت في كامل زينتها

باست رأسي

أخذت كفّي و قالت : يا ولدي …

أمّا ضمائر الغائب فترتبط بالسرد و الوصف و تكون فيها الرؤية السردية من الخلف  ويكون الراوي في هذه المقاطع خالقا للحدث و للشخصيات عالما بخفاياها ، و يعرف عنها أكثر ممّا تعرفه عن نفسها ، لذا كان الراوي في هذه المقاطع يستبطن ذات الوزّان ويخبرنا عن أدقّ التفاصيل ، ما أنجزه منها و ما يعتزم إنجازه :

و الوزان سيهتف في فرح …

سيحكي عن أوجاع البحر

و عن سفن أسرت بالأهل…

و الوزان سيُدني الريّس منه ،

و يحكي عن شطآن كان أحبّ

و عن شطآن سوف يحبّ…

و الوزّان أحبّ نساء ، بكرا في غرناطة و غانية في فاس و خجولا في. ..و…

و يتحوّل ضمير الغائب إلى مخاطب مرّتين ، الأولى على لسان الشاعر (المقطع الخامس)

كم قد حُمّل قلبك يا وزّان

ألا ألقيت عصاك قليلا…

أما الثانية فهي على لسان الأمّ (المقطع السابع) و إذا تميّزت الأولى بالتعجّب و الدعوة إلى إلقاء عصا الترحال فإن الثانية وهي تختم القصيد و تغلق الدائرة  لتفتحها على أخرىمن خلال دعوتها إلى مواصلة الرحلة و الإيغال في المكان:

أرض الله واسعة، فاضرب فيها

كن أكبر من كلّ الأوطان…تكن ملكا

 أو ليست الحياة رحلة لا تنتهي و لا تقف عند أحد. فلا السندباد أتى عليها ولا الحسن الوزان و لا محجوب العياري و لعلّ هذا الأمر هو الذي دفع بالشاعر إلى أن يفكّ نفسه من أسر الماضي فلم يكتب رواية على طريقة أمين معلوف بل كتب قصيدة ترتبط بالحاضر و المستقبل أكثر من ارتباطها بالماضي فجاءت جلّ الأفعال وهي كثيرة في المضارع مرتبطة بالسين أو سوف للتعبير عن فعل قريب أو بعيد.

أ ) أفعال ترتبط بالآن :  الآن تسلّمنا الهجرات … الآن يسلّـمني شطّ…

ب ) أفعال في المضارع : نؤمّ ، نوغل، لن يغرينا، لن نتوقف، نحلم، يروي ، يكشف، يحكي ، يعاشر، يهتف، يظلّ،  تظلّ، 

ج ) أفعال مسبوقة بالسين :  سنلوذ،  سنغسل،  سنشعر، سينعشنا ، سيحيي ، سنرخي ، سنؤلف ، سيجيء ، سينضمون، سيهتف،  سيمرّ الليل ، سيقرع، سيُدني، سيحكي ، سيقبّل…

د ) أفعال مسبوقة بسوف :  سوف نطوف ، سوف نخرّ، سوف يحدّث، سوف يملئ، سوف يحبّ …

و جاءت أفعال أخرى في الأمــر على لسان الأمّ في خاتمة القصيدة تدفع الحركة قُدما وهي موجهة إلى الوزّان وعبره إلى  القارئ :

بدّلها …ارحل…اضرب فيها(الأرض)… اجعل البحر… كن ولدا…كن أكبرمن …

و كثافة الأفعال في هذه القصيدة تترجم الحركة و الفعل لذا كان الوصف ضئيلا .

و ترتبط الأفعال في القصيدة بالإيمان بالحياة في كلّ معانيها و مظاهرها المادية والروحية و تترجم الحركة الدائبة ..و حتّى إن بدا استقرار فهو ظرفي لا يبتعد عن البحر وعن الشطآن يعقبه سفر جديد..و رحلة أخرى …و تتحوّل  فترات الاستقرار هذه إلى رحلة في المكان تحمل الشاعر في اليوم الأول إلى خمّارات المدينة و في الثاني إلى مساجدها وكنائسها ومقامات الخلّص فيها. و في كلّ هذا إقبال على الحياة واحتفال بمباهجها (عطر الأسواق …شميم القهوة… عبق الحنّاء… الصبايا… محلّ الورد… الباقات… لحم الطير… الدورق… كؤوس الفضّة… العنبر…النساء… بكرا و غانية و خجولاو راهبة…)

و ينفي الشاعر ما قد يكون استقرّ في ذهن القارئ من تفكير في التناقض فيجمع بين المقدّس و المدنّس و ينفي الفصل بين  القطبين :

طهر هذا الحان

مقدّسة هذه العتبات فلن يغشاها

غير الخلّص من عشّاق البحر

و كلّ فتى أضناه الوجد …

و هؤلاء الفتيان هم شخوص هذه الرؤى فلا نجد في النصّ ذكرا لغيرهم إذا استثنينا الأمّ و هي تأتي في خاتمة القصيدة تقدح الفعل و تدفع الوزّان نحو آفاق أرحب حتّى ينفي الضيق بالمكان و بالآخرين .

و نجد أعلام هذه الرؤى يأتي  في طليعتهم الوزّان و يرد ذكره باستمرار و كذلك  الغرباء والبحّارون، (الندمان)  + غريب سوف يحدّث عن أوجاع العشق + بحّار خطّ الشيب على فوديه + الريّس + ربّ الحان .

و هؤلاء  ليسوا غير شخصيات قلقة مسكونة بحبّ الحياة و بالرغبة في السيطرة عليها زمانا و مكانا لذا تنهكها التجربة و تجعلها غريبة في مجتمع تحكمه السكينة .

 لقد حرص محجوب العياري على الاشتغال على نصّه فجاءت الصياغة متينة متأثرة برجع آيات القرآن : نطوف بــ… نؤمّ مساجدها… نخرّ بُكيّا… أنّ الله قريب… في رؤياي الليلة… لا تثريب عليك… أرض الله أوسع…إلخ

و بالإضافة إلى ما يوفّره إيقاع الخبب مرتبطا بمعاني الرحيل و السفر و في غياب قافية موحدة للقصيدة  وفّر الشاعر إيقاعا داخليا يطلع من بعض البنى و التراكيب المتشابهة فكانت الأفعال المتواترة في المضارع على بنية واحدة و كذلك أفعال الأمر.  و كان حرف السين (مع المضارع)  و سوف  يحدثان إيقاعا موسيقيا تفرضه طبيعة الحرف الصفيري إضافة إلى حرفي الصاد و الزاي المتواترين بكثرة في مختلف المقاطع.

و من العناصر التي توفر تنغيما في أغلب المقاطع :

* بعض المفردات : مثل شطآن تواترت أربع مرّات في المقطع الرابع ، و الوزان تواترت 4 مرّات في المقطع الخامس .

* بعض العبارات : سيمرّ الليل وئيدا افتتحت المقاطع 3 و 4 و 6 .

* بعض التراكيب المتماثلة :

= فقلب الله يظلّ الأرحب … كفّ الله تظلّ الأندى… أرض الله تظلّ الأوسع

= بكرا في غرناطة ، غانية في فاس، خجولا في طمبوكتو، أرملة في قاهرة العثمانيين ، و راهبة في روما…

= كن ولدا….تكن ملكا ، كن أكبرمن … تكن ملكا .

و تبقى قيمة القصيدة كامنة في تنوّعها و ثرائها تلتقي مع ما يعنيه السفر من ضرب في المجهول و رفض للسكينة و للحياة المعلّبة المضبوطة ، إنّه منطق المغامرة في الحياة يخرج منها صاحبها بتجارب عديدة و مكاسب متنوعة تثري التجربة . و المغامرة في النصّ الشعري لا تختلف عن ذلك فهي ضرب في تضاريس العبارة و إيغال في البحث عن المعنى البكر و تنويع في السبل و الأساليب للخروج بنصوص تقدّم إضافة لديوان الشعر العربي . و لعلّ رؤى الحسن الوزّان لمحجوب العياري نموذج من هذا الشعر المغامر يشدّك إليه بمضامينه و أساليبه فتكون متعة النصّ يتردّد صداها في السمع والذهن نصّا يحمل بصمات صاحبه و العصر .

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر