عيون المقدّمات
كتبهاMohamed Bedoui ، في 11 ديسمبر 2007 الساعة: 22:20 م
طوبى للذين سيقرؤون هذا الكتاب…
بقلم : محمّد البـدوي
وفي هذا الإطار من الدراسات المعاصرة يأتي كتاب الدكتور حسن الشعباني "سنن خلق الإنسان تحت أضواء العلم ونور القرآن" ليقدّم إضافة في منتهى الأهمية لم يسبقه إليها أحد في عمقها وانسجامها وتناسقها وقوّة إقناعها وخطورة ما توصّلت إليه من تأويلات تجعل القارئ في حالة ذهول أحيانا لأهمّية ما توصّل إليه الباحث وطرافته وقوّة إقناعه.
بهذا البحث ويعتزّ به وهو مطمئنّ تمام الاطمئنان إلى قيمته العلمية، فنتائج هذا البحث طبخت على نار هادئة ولم تحرّكه غير الدوافع العلمية لأنّ صاحبه سخّر حياته للعلم بحثا وتدريسا وكتابة فكان علَما متعمّقا في البيولوجيا وعلم الإناسة (الأنتروبولوجيا) تشهد على كفاءته بحوثه المنشورة في أرقى المجلات العلمية العالمية المختصّة .
إنّ الآيات القرآنية المتصلة بالخلق تعتبر من أكثر ما يثير رغبة الإنسان وشوقه إلى فكّ أسرار الكون والحياة فيه. وقد شاع في بعض السنوات أنّ التفسير الديني لأصل الحياة والإنسان مختلف مع ما توصّل إليه العلم، ومن شأن هذا الأمر أن يخلق حيرة فكرية وعقائدية توهم بوجود قطيعة بين الدين والعلم. ولم يتردّد عدد من المثقفين في مهاجمة النظريات العلمية المتصلة بتطوّر الكائنات ونعتها بالهدامة والمتآمرة على الدين وربطوا بينها وبين بعض الإيديولجيات الحديثة المتصادمة مع الدين.
وكتاب الدكتور حسن الشعباني بما قدّمه من تحليل علمي قائم على قراءة الآيات قراءة موضوعية وما توصّل إليه من فرضيات عن تاريخ أصل الإنسان وتاريخ البشر يساهم في إزالة هذه الحيرة ويبعث في النفس راحة وقناعة بأنّ العلم إذا ما تعاملنا معه بدقّة وموضوعية لا يمكن أن يتناقض والقرآن الكريم.
سيدرك قارئ هذا الكتاب أنّ منطلقات المؤلف على امتداد الفصول والفقرات إيمانية بل يصل أحيانا إلى التعبير عن منتهى الإعجاب والانبهار بما في الآيات القرآنية من أسرار ودقّة ذهل عنها السابقون، وبدل أن يصيح "وجدتها…وجدتها" نجده يكبّر إجلالا وتعظيما.
وهذا الإيمان لم يكن عائقا ولا مانعا من البحث ولا دافعا إلى التسليم الساذج بما في الآيات واعتبار ذلك من الأسرار الربّانية، بل كان القادح والدافع إلى السير في الأرض لنرى كيف بدأ الله الخلق. إنّه وإن شرح آيات بآيات فإنّه قدّم لنا من المعطيات العلمية الحديثة ما نحتاج معه إلى أهل الاختصاص لندرك قيمة ما قدّمه الأستاذ.
وبالرغم من كلّ هذا الجهد والشجاعة في البحث والريادة في الوصول إلى هذه النتائج فإن د. حسن الشعباني امتاز بالتواضع العلمي إلى جانب دماثة الأخلاق التي يعرفها الأصدقاء والزملاء وكلّ الذين عرفوه عن قرب فلا ادّعاء و لا غرور بل إقرار بأنّ المعاني الحقيقية للآيات القرآنية لا يعلمها إلاّ الله ، وما توصّل إليه بعد كلّ هذا البحث فرضيات جديدة أدركها بعد طول عناء مستفيدا من تطور العلوم البيولوجية وعلم الإناسة ولعلّ الأيام القادمة والبحث المتواصل يقود إلى تأكيد هذه الفرضيات أو تعديلها.
ومن فوائد هذا البحث أنّ صاحبه صاغه في لغة عربية سلسة رغم أزمة المصطلح العلمي وهو الذي تكوّن علميا بغير اللّسان العربي ليعطي شاهدا للجميع على أنّ العربية لغة علم، وليجعل كتابه قريبا من قرّاء العربية فهو موجّه إليهم بالدرجة الأولى ليقبل عليه القارئ العادي والباحث المتخصّص على حد سواء وكلّ يستفيد من الكتاب قدر ما يتيحه له زاده العلمي والثقافي. ولم يحاول د. حسن الشعباني أن يتفنّن في الصياغة الأدبية لأنّ الهاجس العلمي كان المحرّك، ولم يشأ أن يملأ الصفحات بما جاء في التفاسير السابقة مع تقديره الكبير لما قدّموه ، حتّى لا يضيع اهتمام القارئ ويتركّز على النظر في المعطيات العلمية الجديدة.
ولم يتخلّص الكاتب من صفة الأستاذ فجاءت عبارات كثيرة أقرب إلى الحديث الشفوي منها إلى بلاغة المكتوب فكثرت الجمل الاعتراضية التفسيرية، فهو يشير ويفسّر ويضرب الأمثال فنحسّ ونحن نقرأ وكأننا نستمع إلى المؤلف وهو في مدرج الكلية. وهذه اللغة المعتمدة تجعل الكتاب قريبا من قارئه ولكنّها لا تنسينا تعمّق الدكتور حسن الشعباني في أسرار العربية وبحثه في المعاجم والقواميس ووصوله إلى ضبط فوارق جديدة لم توجد في أيّ معجم سابق فأعطى لبعض المصطلحات روحا حديثة تكشف عبقرية العربية، ويحق للّغويين أن يأخذوها مستقبلا بعين الاعتبار ما دام قد قرّرها أهل الاختصاص في العلم كالفرق بين الإنسان والبشر والمعاني الجديدة لعدد من المصطلحات العربية أو المعرّبة في البيولوجيا وغيرها من فروع العلم والمعرفة.
إنّ كتاب "سنن خلق الإنسان تحت أضواء العلم ونور القرآن" للدكتور حسن الشعباني فتح كبير في مجال البحث العلمي والحضاري،ومدعاة للفخر والاعتزاز، وقراءته ممتعة ومشوّقة، ولا نشكّ في أنّ صداه سيكون كبيرا وسيدفع الكثيرين إلى مزيد البحث والتمعن في الآيات وفي ما حولنا لأنّ الكون الطبيعي والبشري ما زال يحتفظ بالكثير من الأسرار، وقد حفظنا منذ صبانا أنّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
محمّد البـدوي - المنستير نوفمبر 2005
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























